سيدنا الإمام أبو حنيفة
الكاتب: مسؤول الخميس, 15 أيلول/سبتمبر 2011

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كل عام وانتم جميعا بخير وصحة وسعادة وتوفيق ورضا ومحبة وقبول. اللهم آمين يا رب العالمين. الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم. الحمد لله والشكر لله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا. الحمد الذي شرفنا وأكرمنا وجعلنا من أمة خير الأنام سيدنا ومولانا محمد صل الله عليه وسلم. الحمد الله الذي جعلنا من أهل السنة والجماعة والمدافعين لسادتنا الأولياء مع اختلاف مشاربهم وسلوكهم ومدارسهم -لأن اختلاف الأئمة رحمة للأمة -(رضوان الله عليهم أجمعين).
للإيمان درجات ومراتب ينال أعلاها الصادقون المحسنون المختارون الذين تركوا وعافوا الدنيا وزخرفها الزائل الفاني وتعلقت قلوبهم بالله سبحانه وتعالى فأمنوا به واتقوا وتجنبوا كل ما نهى الله تعالى عنه صغيرها قبل كبيرها وزهدوا في الحلال حتى لا يقعوا في الحرام فاستحقوا بذلك ثناء رب العزة والجلال الذي قال في حقهم: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم".
وقد ذكر سيدي أبو عبدالرحمن السلمي رضي الله عنه في كتابه طبقات الصوفية عن سيدي حاتم الأصم رضي الله عنه أن الشهوة ثلاثة. شهوة في الأكل وشهوة في الكلام وشهوة في النظر. فاحفظ الأكل بالثقة واللسان بالصدق والنظر بالعبرة. وقالوا في المثل خير الكلام ما قل ودل على أصحاب الأذواق الصحيحة والأرواح الطاهرة النقية التي تسعي للكمالات البشرية لتكون من أهل القرب ومن أهل الله وخاصته. اللهم أجعلنا جميعا منهم. اللهم آمين.
وعن بعضهم رضوان الله عليهم أجمعين قال: لأهل الفضل فضل ما لم يروه. فإذا رأوه أو تكلموا فيه فلا فضل لهم. وكذلك لأهل الولاية ولاية ما لم يروها. فإذا رأوها أو اغتروا بها فلا ولاية لهم. ما أجمل هذه التربية الربانية لعباده الصالحين لحضرة الله وحضرة سيدنا ومولانا محمد عليه أفضل الصلاة وأذكي السلام.
اليوم وفي هذه المقالة مع إمام عظيم القدر من أئمة أهل السنة والجماعة مؤسس وإمام أئمة المذهب الحنفي السني الإسلامي سيدنا الإمام الأكبر شيخ الإسلام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه وعن والديه وأولاده وطلبته ومريديه ومحبيه وجميع أتباعه. وحاشاه أن نستطيع استعراض سيرته الذهبية الكاملة الكبيرة في هذا الاختصار ولكن كما يقال فيض من سيل. وأنى لمثلي العديم أن يكتب لمثله العظيم ولكني لست إلا ناقلا عن من سبقونا من السادات (رضوان الله عليهم أجمعين) وأرجو إن يكون هذا وغيره في ميزان حسناتهم ولا يحرمنا من بركاتهم علينا جميعا. اللهم آمين يا رب العالمين ويا أرحم الراحمين.
سيدنا الإمام أبو حنيفة النعمان
(رضي الله عنه وأرضاه ونفعنا الله به في الدارين)
سيدنا الإمام أبو حنيفة... من الرجال الذين أفاض الله تعالى عليهم في العلم والعمل والأدب. ولقبوه بسراج الأمة ونعمان الحقائق. مدحته كل الألسنة وقُبل في كل الملل وله في أصول الطريقة وفروع الشريعة درجة رفيعة ونظرة نافذة.
قال عنه سيدنا ومولانا الرسول صلى الله عليه وسلم في رواية عن سيدنا أنس رضي الله عنه : يوجد رجل في أمتي يقال له نعمان بن ثابت وكنيته أبو حنيفة هو سراج أمتي. وقال العلماء أن صفة الإمام أبي حنيفة وردت في التوراة.
روى سيدي عمر بن أسد عن صلاته كما جاء في كتاب: (صلاة الصالحين وقصص العابدين) لأحمد مصطفى الطهطاوي: أن الإمام أبا حنيفة صلى العشاء والصبح بوضوء واحد أربعين سنة.
كان الإمام أبو حنيفة كثير البكاء حتى إنه كان يصلي بالليل ويبكي فيُسمع بكاؤه حتى يرحمه جيرانه. وقد عرف عنه "رضي الله عنه" أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعين ألف مرة.
ومن صفاته أيضًا أنه كان لا يحب أن يحمد بما لم يفعل. وفي ذلك قال القاضي أبو يوسف صاحب وتلميذ الإمام أبي حنيفة أنه كان ذات مرة يمشي معه فسمعا رجلا يقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل. فقال الإمام أبو حنيفة: والله لا يُتحدثُ عني بما لا أفعل، فكان يُحيي الليل كله صلاة ودعاء وتضرعًا.
فكان "رضي الله عنه" يصلى ثلاثمائة ركعة كل ليلة، وذات يوم كان يمضي، فقالت امرأة لأخرى : هذا الرجل يصلى كل ليلة خمسمائة ركعة، سمع الإمام ذلك، فعقد النية على أن يصلي بعد ذلك خمسمائة ركعة في كل ليلة، حتى يصدق ظنهم. وكان يمضي في يوم آخر فقال الأطفال لبعضهم بعضاً: هذا الرجل الذي يسير يصلي كل ليلة ألف ركعة، قال الإمام أبو حنيفة: فنويت أن أصلي ألف ركعة. وذات يوم قال تلميذ للإمام: يقول الناس: أن أبا حنيفة لا ينام الليل. فقال الإمام: نويت ألا أنام الليل ثانية. قال: لماذا؟ قال: يقول الحق سبحانه وتعالى: "ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا". الآن لا أضع جانبي على الأرض حتى لا أكون من أولئك القوم.
وكان من الذين يختمون القرآن في ركعة. فلقد روى سيدي مسعر بن كدام رضي الله عنه قال: دخلت المسجد فرأيت رجلا يصلي فاستمالتني قراءته، فقرأ في ركعة واحدة سُبع القرآن، ثم وصل إلى الثلث، ثم النصف، فلم يزل حتى قرأ القرآن كله في ركعة وختمه فنظرت فإذا هو الإمام أبو حنيفة.
وذكر في كتاب (تذكرة الأولياء) لسيدي الشيخ فريد الدين العطار النيسابوري، أن سيدنا الإمام أبا حنيفة أدرك عدداً من سادتنا الصحابة مثل : سيدنا عبد الله بن جزء الزبيدي، وسيدنا أنس بن مالك وسيدنا جابر بن عبد الله وسيدنا عبد الله بن أبي أوفي وسيدنا وائلة بنت الأسقع، وسيدتنا عائشة بنت عجرد. وكان قد رأى كثيرًا من المشايخ وصاحب وتتلمذ على سيدنا جعفر الصادق رضي الله عنه، وكان أستاذ لسيدي الفضيل ابن عياض وسيدي إبراهيم بن أدهم وسيدي بشر الحافي وسيدي داود الطائي وسيدي عبد الله بن المبارك.
وحين وصل إلى حافة روضة سيد المرسلين سيدنا ومولانا محمد الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وقال: "السلام عليك يا سيد المرسلين"، جاء الجواب : "وعليك السلام يا إمام المسلمين".
فقد روي عنه أن مالا كان له عند شخص، وتوفي في محلة (مكان) ذلك الشخص تلميذ من تلاميذ الإمام، فذهب الإمام للصلاة عليه، وكان الحر شديد ولم يكن هناك ظل قط إلا حائطًا يملكه ذلك الرجل الذي ينبغي أن يرد المال للإمام. فقال الناس: اجلس برهة في هذا الظل. فقال: لي مال عند صاحب هذا الحائط، ولا يجوز أن أتمتع بحائطه لأن سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "كل قرض جر منفعة فهو ربا".
ومن ضمن ما روي عن الإمام أبي حنيفة أن ركبته شابهت ركبة الجمل من كثرة السجود.
وأنه كان يمضي ذات يوم، فرأى طفلا كاد أن يقع في الوحل فقال له: انتبه كي لا تقع، فقال الطفل: إن وقوعي سهل فإن وقعت وقعت بمفردي, لكن احذر أنت فلو زلقت قدمك، زلق كل المسلمين الذين يتبعونك، ويصعب نهوضهم، فتعجب الإمام من حذاقة هذا الطفل، وبكى في الحال لأنه استلم رسالة من طرف الحق سبحانه وتعالي على لسان هذا الغلام.
فقد روي أن رجلا كان غنيا وموسرًا، وكان يكره أمير المؤمنين سيدنا عثمان "رضي الله عنه" إلى حد أنه كان يسميه (اليهودي). وصل هذا الكلام إلى الإمام أبي حنيفة، فدعاه وقال: سأزوج ابنتك على فلان اليهودي، فقال: أنت أمام المسلمين، أتجيز أن تزوج ابنة مسلم ليهودي! وأنا لن أزوجها له قط. فقال الإمام أبو حنيفة: سبحان الله !!! لا تجيز ولا تسمح بزواج ابنتك ليهودي فكيف يجوز أن يزوج سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنتيه ليهودي؟ فعلم الرجل ذلك فحوى الكلام. ورجع عن اعتقاده. وتاب ببركات الإمام أبي حنيفة.
روي أيضا أنه كان يمضي يوما في السوق، فتطايرت نقطة من الطين على ردائه فذهب إلى شاطئ دجلة، وغسلها، فقالوا له : أيها الإمام، انك تسمح بمقدار معين من النجاسة على الرداء، وتغسل هذا القدر من الطين! قال: بلى، فتلك فتوى وهذه تقوى، كما لم يسمح سيدنا ومولانا الرسول (صلى الله عليه وسلم) لسيدنا بلال رضي الله عنه أن يدخر نصف رغيف، ووضع للنساء قوت عام.
قال سيدي يحيى بن معاذ الرازي: رأيت سيدنا ومولانا الرسول (صلى الله عليه وسلم) في المنام، فقلت: "أين أطلبك" قال: عند عِلم أبي حنيفة.
قال سيدي أبو نوفل بن حيان: عندما توفي سيدنا الإمام أبو حنيفة، رأيت القيامة قد قامت في المنام، وكل الخلق قد وقفوا في ساحة القيامة، ورأيت سيدنا ومولانا الرسول عليه الصلاة والسلام واقفًا على حافة حوض، ورأيت المشايخ واقفين على جانبيه يمينًا ويسارًا ورأيت شيخًا حسن الوجه، أبيض الشعر والوجه، وجهه مواجه لوجه النبي، ورأيت الإمام أبا حنيفة واقفًا أمام النبي، فسلمت وقلت: أعطني ماء، قال: أيسمح الرسول؟ فأمر الرسول قائلا: امنحه ماء، فأعطاني كأسًا من الماء وشربت أنا والأصحاب من تلك الكأس فلم ينقص قط، فقلت لأبي حنيفة: من ذلك الشيخ الذي على يمين الرسول؟ قال سيدنا إبراهيم الخليل وسيدنا أبو بكر الصديق على يساره، وهكذا سألته، وكنت أمسك العقد بإصبعي حتى سألته عن سبعة عشر شخصًا. وعندما استيقظت، كنت قد أخذت سبعة عشر عقدًا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.




